نشر في 13 Sep, 2025, 08:15 PM (بتوقيت العاصمة عدن)

سرد قانوني وتحليلي مُركّز

الإطار القانوني لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة باليمن وفقًا للقانون الدولي الإنساني

الإطار القانوني لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة باليمن وفقًا للقانون الدولي الإنساني

(أصوات مدنية) تقرير صحفي موسع — حصري:

المقدمة:

تستمر الأزمة الإنسانية في اليمن منذ اندلاع النزاع المسلح الممتد (منذ 2014) في تحويل حياة الملايين إلى معاناة يومية.

وسط هذا الواقع، يطرح القانون الدولي الإنساني (IHL) معايير ملزمة تهدف إلى حماية المدنيين ورفع معايير السلوك لدى أطراف النزاع. 

يهدف هذا التقرير إلى تقديم سرد قانوني وتحليلي مُركّز عن الإطار القانوني الدولي المعمول به في اليمن، مسؤوليات الأطراف، الممارسات الميدانية المتعارضة مع هذا الإطار، وآليات الحماية والمساءلة المتاحة — مع استنتاجات وتوصيات عملية موجهة للفاعلين المحليين والدوليين.

 

(1) ما هو الإطار القانوني الدولي المطبق على النزاع في اليمن؟

1. قواعد معاهدات جُزْرِيّة: تشكّل اتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبالأخص المادة 3 المشتركة قاعدة ملزمة في النزاعات الداخلية وغير الدولية تُلزم جميع أطراف الصراع بمعاملة إنسانية وعدم المسّ بالمدنيين والأسِرى بطرق غير قانونية. كما أن اليمن منخرط في عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُكمِل الإطار.

2. بروتوكولات واتفاقيات داعمة وممارسات عُرفية: بالإضافة إلى النصوص الكتابية، يَشكّل القانون الإنساني العرفي (customary IHL) مصدراً مهماً يُلزم الأطراف باحترام مبادئ التمييز، التناسب، واتخاذ الاحتياطات. قواعد مثل السماح بعبور المساعدات الإنسانية هي جزء من هذا القانون العرفي.

3. التوازي مع القانون الدولي لحقوق الإنسان: القانون الدولي لحقوق الإنسان يستمر في العمل أثناء النزاع، ويدعم حماية الحقوق الأساسية (الحق في الحياة، منع التعذيب، الحماية من الاختفاء القسري)، ما يعني أن الأطراف ملزمة أيضاً بالمعايير الحقوقية الدولية.

(2) الالتزامات الأساسية لأطراف النزاع (بالمضمون العملي)

مبدأ التمييز: يجب التمييز دوماً بين مقاصد عسكرية وأشخاص/أعيان مدنية؛ أي هجمات تستهدف المدنيين أو المنشآت المدنية ممنوعة.

مبدأ التناسب: لا يجوز تنفيذ هجوم يكون فيه الضرر المتوقع على المدنيين أو ممتلكاتهم مفرطاً بالمقارنة مع الميزة العسكرية المتوقعة.

واجب اتخاذ الاحتياطات: يتعيّن على المهاجمين اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار على المدنيين (اختيار الوسائل/الأسلحة، الإخطار المسبق عند الإمكان، تأجيل الهجوم إن اقتضى).

حماية المحتجزين والمرضى والعاملين في المجال الإنساني: يشمل ذلك منع التعذيب، توفير معاملة إنسانية، واحترام الوصول للمساعدات والرعاية الصحية.

(3) واقع التطبيق في اليمن — انتهاكات متكررة وتحديات عملية

التقارير الميدانية المتلاحقة تشير إلى أن تطبيق قواعد IHL في اليمن واجه انتهاكات جسيمة: هجمات تودي بحياة مدنيين، احتجاز وتعذيب، عرقلة وصول المساعدات، وعمليات تهجير قسري. منظمات حقوقية أمثال Human Rights Watch رصدت حوادث قتل مدنيين واعتقالات تعسفية، بينما حذّرت الأمم المتحدة من تزايد المخاطر على المدنيين، بما في ذلك تعليق عمليات إنسانية مؤقتًا إثر احتجاز موظفي إغاثة.

- أمثلة محددة ذات أهمية:

تعليق عمل بعثات أممية/إغاثية جزئياً بعد توقيف عناصر من الطواقم في مناطق خاضعة لسيطرة أطراف النزاع، مما أثر سلباً على توصيل المساعدات.

تقارير أمنية وأممية تؤكد وقوع ضربات جوية أو هجمات على مواقع أدّت إلى خسائر مدنية، بما في ذلك مهاجمة مراكز احتجاز ومخيمات للمهاجرين. الأمم المتحدة وصفت هذه الحوادث بأنها تشكل مخاطر متزايدة على المدنيين.

(4) آليات الحماية والمساءلة المتاحة (دولية وإقليمية ومحلية)

اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): تقوم بدور محوري في التذكير بالتزامات القانون الإنساني، وتمتلك ولاية للتوسّط والاحتفاظ بسجلات تبادل أسرى وبحث عن المفقودين.

الأمم المتحدة وآلياتها: تقارير مجلس الأمن، مجموعات الخبراء ولجان التحقيق، وتوثيق المفوضية السامية لحقوق الإنسان توفر رقابة وتوثيقاً لانتهاكات قد تُستخدم لاحقًا في إجراءات محاسبة.

المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية: تعمل على توثيق الانتهاكات وتقديم شهادات وتقارير قد تُغذّي تحركات محلية/دولية للمساءلة.

(1) حواجز قانونية وواقعية أمام المساءلة

تجمّع العناصر المسلحة المتعددة، ضبابية المسؤوليات، نقص الوصول إلى أماكن وقوع الانتهاكات، والاعتبارات الجيوسياسية تعيق التحقيق المستقل والمحاسبة الفعالة. تقارير مجموعات الخبراء التابعة للأمم المتحدة توثّق هذه الصعوبات وتدعو لتعزيز آليات التثبت والوصول.

(2) مبادرات المجتمع المدني: نموذج مركز مدنيين في ظل الصراع (سيفيك – CIVIC)

إلى جانب الجهود الأممية والدولية، برز دور مركز مدنيين في ظل الصراع (CIVIC) كمنظمة متخصصة في حماية المدنيين باليمن. ينفذ المركز سلسلة من البرامج الميدانية والأنشطة التدريبية التي تهدف إلى تعزيز ثقافة احترام القانون الدولي الإنساني وسط أطراف النزاع.

التدريب والتأهيل: نظم المركز دورات تدريبية وتأهيلية لضباط وجنود الجيش والأمن، ركزت على كيفية التعامل مع المدنيين أثناء العمليات العسكرية والأمنية، وضمان حمايتهم وتقليل الخسائر غير المباشرة.

بناء قدرات المؤسسات الأمنية: ساهمت هذه البرامج في رفع الوعي بأهمية مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات، وساعدت في إدماج قواعد القانون الدولي الإنساني ضمن العمل العسكري والأمني الميداني.

إشراك المجتمع المحلي: يعمل المركز أيضًا على ربط المجتمعات المحلية مع السلطات، وتقديم توصيات عملية لتعزيز الثقة بين المدنيين والأجهزة الأمنية، بما يخلق بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا.

مناصرة وحشد دولي: إلى جانب التدريب الميداني، يسهم المركز في رفع صوت المدنيين على المستويين المحلي والدولي، من خلال تقارير وتوصيات تهدف إلى تعزيز المساءلة وتحسين السياسات المرتبطة بالحماية.

وتُعد هذه الجهود مثالًا بارزًا على أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني في حماية المدنيين، ودعم بناء ثقافة قانونية وإنسانية مستدامة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

(5) توصيات عملية ومباشرة (للحكومات، الأطراف المحلية، والمنظمات الدولية)

1) التزام فوري وواضح بقواعد IHL: دعوة جميع الأطراف لإعلان التزام علني مبني على مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات، مع وضع آليات تنفيذ ورقابة داخلية.

2) حماية العاملين في الإغاثة ورفع القيود على الوصول: ضمان مرور المساعدات بسرعة وبلا عراقيل، وإطلاق سراح موظفي الإغاثة المحتجزين فورًا.

3) توثيق مستقل للحوادث: دعم تشكيل لجان تحقيق مستقلة للوصول إلى أماكن الحوادث وإجراء تحقيقات مستندة إلى المعايير الدولية.

4) برامج تدريب واستشارة قانونية للأطراف المحلية: تزويد القادة الميدانيين ووحدات التسليح المحلية بتدريبات على قواعد القانون الإنساني وتوزيع مواد إرشادية واضحة.

5) دعم مجتمعات النازحين والمتضررين: برامج إنسانية محايدة ومستدامة بالشراكة مع المجتمع المدني المحلي لتخفيف أثر الانتهاكات.

 

خاتمة .. دعوة للالتزام والفاعلية

القانون الدولي الإنساني يوفر إطارًا واضحًا لحماية المدنيين، لكن أثره يعتمد على إرادة التنفيذ والقدرة على المحاسبة. في اليمن، حيث تتشابك اعتبارات سياسية وميدانية، يبقى التزام الأطراف وفتح مسارات مستقلة للتحقيق والوصول الإنساني الركيزة الأهم لخفض معاناة المدنيين. لا حماية حقيقية دون إجراءات ملموسة وشفافة — وعلى المجتمع الدولي والجهات الفاعلة المحلية العمل الآن لمنع مزيد من الخسائر البشرية وضمان حقوق الشعب اليمني.

 

ـــــــــــــ

المصادر والمراجع الأساسية (للنشر مع المادة)

1- اللجنة الدولية للصليب الأحمر — دراسة حالة: اليمن والأثر الإنساني للنزاع؛ قواعد القانون الإنساني ذات الصلة.

2- قاعدة بيانات القانون الإنساني العرفي (ICRC) — Rule 55 (Access for humanitarian relief).

3- تقارير مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة (تقارير لجنة الخبراء/لجنة مجلس الأمن المعنية باليمن).

4- Human Rights Watch — World Report 2024/2025 (فصول عن اليمن، توثيق انتهاكات وحالات اعتقال وتعذيب).

5- تقارير أخبارية أممية ووكالات أنباء حول تعليق عمل بعثات إنسانية واحتجاز موظفين (AP، Reuters).

6- مركز مدنيين في ظل الصراع (CIVIC) — أنشطة تدريبية وتقارير عن حماية المدنيين في اليمن (برامج بناء القدرات والتأهيل العسكري والأمني).